محمد بن جرير الطبري
30
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وما أشبه ذلك من الاخبار قيل له أما الخبر الذي روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يكن يفسر من القرآن شيأ الا آيا تعدّ فان ذلك مصحح ما قلنا من القول في الباب الماضي قبل وهو أن من تأويل القرآن ما لا يدرك علمه الا ببيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم وذلك يفصل جمل ما في آية من أمر اللّه ونهيه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وسائر معاني شرائع دينه الذي هو مجمل في ظاهر التنزيل وبالعباد إلى تفسيره الحاجة لا يدرك علم تأويله الا ببيان من عند اللّه على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما أشبه ذلك مما تحويه آي القرآن من سائر حكمه الذي جعل اللّه بيانه لخلقه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا يعلم أحد من خلق اللّه تأويل ذلك الا ببيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولا يعلمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الا بتعليم اللّه إياه ذلك بوحيه اليه اما مع جبريل أو مع من شاء من رسله اليه فذلك هو الآي الّتى كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يفسرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه وهن لا شك آي ذوات عدد ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن اللّه جل ثناؤه استأثر بعلم تأويله فلم يطلع على علمه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده وانه لا يعلم تأويله الا اللّه فأما ما لا بد للعباد من علم تأويله فقد بين لهم نبيهم صلى اللّه عليه وسلم ببيان اللّه ذلك له بوحيه مع جبريل وذلك هو المعنى الذي أمره اللّه ببيانه لهم فقال له جل ذكره وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ولو كان تأويل الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انه كان لا يفسر من القرآن شيأ الا آيا تعد هو ما يسبق اليه أوهام أهل الغباء من أنه لم يكن يفسر من القرآن الا القليل من آية واليسير من حروفه كان انما أنزل اليه صلى اللّه عليه وسلم الذكر لترك للناس بيان ما أنزل إليهم لا ليبين لهم ما أنزل إليهم وفي أمر اللّه جل ثناؤه نبيه صلى اللّه عليه وسلم ببلاغ ما أنزل اليه واعلامه إياه أنه انما نزل اليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم وقيام الحجة على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد بلغ فأدّى ما أمره اللّه ببلاغه وأدائه على ما أمره به وصحة الخبر عن عبد اللّه بن مسعود لقبيله كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن ما ينبئ عن جهل من ظن أوتوهم أن معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انه لم يكن يفسر من القرآن شيأ الا آيا تعد هو أنه لم يكن يبين لامته من تأويله الا اليسير القليل منه هذا مع ما في الخبر الذي روى عن عائشة من العلة التي في اسناده التي لا يجوز معها الاحتجاج به لاحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين لان راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار وهو جعفر بن محمد الزبيري وأما الاخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين باحجامه عن التأويل فان فعل من فعل ذلك منهم كفعل من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل والحوادث مع إقراره بان اللّه جل ثناؤه لم يقبض نبيه اليه الا بعد إكمال الدين به لعباده وعلمه بان للّه في كل نازلة وحادثة حكما موجودا بنص أو دلالة فلم يكن احجامه عن القول في ذلك احجام جاحد أن يكون للّه فيه حكم موجود بين أظهر عباده ولكن احجام خائف أن لا يبلغ في اجتهاده ما كلف اللّه العلماء من عباده فيه فكذلك معنى احجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السلف انما كان احجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم